recent
أخبار ساخنة

مع الخيّام/ بقلم : كميل أبو حنيش .المساء العربي

هند خطاب رئيس القسم الادبي ومساعد رئيس مجلس الإدارة


الحلقة الأولى

المقدّمة:

لم يسبق لي قبل مرحلة السجن أن اطّلعتُ على رباعيات الشاعر عمر الخيام كاملة باستثناء بعض النصوص المتناثرة في العديد من الكتب الأدبية والتاريخية والصحف، إضافة للأغنية التي غنتها أم كلثوم والمعروفة بـ(رباعيات الخيام) من ترجمة أحمد رامي، وألحان رياض السنباطي.


في الواقع كنت أجهل أي شيء عن رباعيات الخيام رغم شهرتها، إلى أن عثرت عليها في العام 2010 مصادفة في إحدى المكتبات في سجن (ريمون).


كان كتابًا مهملًا يمتلىء بالغبار، يحمل بين دفتيه رباعيات الخيام مترجمة إلى العربية مرتين: الأولى ترجمة الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي، والثانية ترجمة الشاعر المصري أحمد رامي.


وما أن شرعت بمطالعة هذه الرباعيات المترجمة حتى شعرت بأنّني وقعت على اكتشاف مذهل، وأنّني عثرت على تحفة أدبية لا نظير لها، وخامرني شعور بالانبهار، فطفقت أسجل بين كراساتي عددًا من هذه الرباعيات التي تأثّرت بها، ولم يتسنَّ لي الاحتفاظ بالكتاب؛ إذ كان يتعيّن علي إعادته للمكتبة، كما لم تطل إقامتي في هذا السجن، وتنقلت طوال السنوات العشر اللاحقة بين السجون، ولم أفلح في إدخال نسخة من الكتاب عبر الزيارات العائلية بسبب الانهماك في هموم السجن والانشغال في اهتمامات ثقافية أخرى. 


وكلما كنت أقلّب كراساتي كلما طالعتني رباعيات الخيام لتحفزني وتحثني على الشروع في الكتابة عنها، إلى أن قررت في العام 2018 كتابة مقالة ضمنتها عددًا من الرباعيات، وحملت العنوان (تأملات فلسفية في رباعيات الخيام)، وقد لاقت المقالة استحسانًا لدى عدد من القرّاء عند نشرها، ونلت شهادة تقدير من إحدى المؤسسات الثقافية الجزائرية على كتابتي لها.


وبعد قرابة عشر سنوات سأعود لذات القسم الذي تتواجد فيه مخطوطة رباعيات الخيام، ولحسن الحظ عثرت عليها بعد جهد جهيد، فقررت أن أبقيها في حوزتي، وأعدت قراءة الرباعيات أكثر من مرة، وبدأت بتفريغ العشرات منها في كراساتي، مما يصلح لإجراء دراسة نقدية في المستقبل، إذ رأيت أنّ المقالة التي كتبتها عن الرباعيات غير وافية، وتعاني الكثير من القصور، ولا بدّ من إجراء دراسة أكثر عمقا بهدف تسليط الضوء على عدد من الزوايا التي تضمنتها رباعيات الخيام، تلك التي لم يلتفت إليها النقد العربي بصورة وافية، فشرعت بإعداد هذه الدراسة في بدايات العام 2021 وسيتمّ نشرها على شكل حلقات؛ كي يتسنى لأكبر عدد من القراء الاطلاع عليها، وإفادتنا بملاحظاتهم وآرائهم.


وتشكل رباعيات الخيام معلمًا بارزًا في تاريخ الشعر العالمي لموضوعها الفلسفيّ والوجوديّ، وأسلوبها، وما تحمله من صور ودلالات وتساؤلات وجوديّة تؤرق الإنسان في كلّ زمان ومكان، وتكمن أهميتها الأدبية ليس بما تحمله من مضمون فلسفيّ وإنسانيّ وفنيّ فحسب، بل لأنّ صاحبها يُعدُّ من أهمّ المفكرين والفلاسفة والعلماء في عصره، وليس مجرد شاعر خليع وماجن كما وصفته بعض الكتابات التاريخية المشكوك في دوافع وثقافة أصحابها.


والخيام هو غيّاث الدين أبو الفتح عمر بن إبراهيم المعروف بـ(عمر الخيام) والمولود في نيسابور في إقليم خراسان عام 1048م، والمتوفى سنة 1131م، وهو المعروف بلقب الحكيم، والشاعر والفلكيّ وعالم الرياضيات، وقد اشتهرت رباعياته الشعرية في عصره، إلا أنّها طمست وواراها النسيان لأسباب مجهولة، حيث عُرف عصره بالصراعات والحروب بين الدويلات والممالك، واجتياحات المغول لأقاليم الشرق برمتها .


وقد جرى اكتشاف المخطوطة الأصلية لهذه الرباعيات في القرن التاسع عشر، وجرت عملية ترجمتها من اللغة الفارسية إلى اللغة الإنجليزية في ستينيّات القرن التاسع عشر على يد الشاعر الإنجليزي (إدوارد فيتسز جيرالد) (1809_ 1883) وحظيت باهتمام كبير لدى القراء؛ لتجري عملية ترجمتها من اللغة الإنجليزية إلى مختلف اللغات الأوروبية، ولقيت إقبالًا هائلًا لدى القراء ودور النشر والمراكز الثقافية.


أمّا عربيًا، فقد تأخرت ترجمتها إلى العربية مدة نصف قرن إلى أن ترجمت عن اللغة الإنجليزية في بدايات القرن العشرين، وكان أول من ترجمها وديع البستاني، على شكل سباعيات، وترجمها أيضًا كل من محمد السباعي، ومحمد الهاشمي، وجميل صدقي الزهاوي، وآخرين.


غير أنّ أبرز ترجمتين لرباعيات الخيام إلى العربيّة هما: ترجمة الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي، والشاعر المصري أحمد رامي؛ حيث ترجمها كلا الشاعرين عن اللغة الفارسية مباشرة في عشرينيّات القرن العشرين، ومن خلال معاينة الترجمتين للكتاب، سنتكئ في دراستنا على ترجمة أحمد الصافي النجفي، وسنلجأ عند الحاجة إلى ترجمة أحمد رامي؛ وذلك لأن ترجمة النجفي تبدو أكثر قرباً إلى الذائقة الأدبية العربية، كما أنها أكثر اتساعًا وعمقًا.


ويقول النجفي في تقديمه لترجمة هذه الرباعيات إنه تعلم الفارسية وألم بها، وعاش في بلاد فارس لسنوات، وعرض الترجمة على كثير من القامات الثقافية الفارسية الملمّة بالآداب الفارسية والعربية، وقد ثمنّوا هذه الترجمة، حيث أمضى النجفي ثلاث سنوات كاملة في ترجمة هذه الرباعية التي بلغت (351) رباعية .


وأضاف النجفي إنه من أجل تقريب التعريب بقدر الطاقة من الذوق العربي كان يلجئني أحيانا إلى أن أفرغ الرباعية الواحدة في أكثر من عشرين سبكًا حتى أختار السبك الوافي بأداء المعنى المطابق للذوق العربي.


وكما أسلفنا فإننا وأثناء دراستنا النقدية لهذه الرباعيات سنعتمد ترجمة النجفي، ونلجأ قليلا إلى ترجمة رامي في هذا الكتاب الذي بين أيدينا الذي يحمل عنوان: رباعيّات الخيام، وهومن إصدار دار المدى للثقافة والنشر في دمشق، في طبعتها الثانية من العام 2006.


ستعالج هذه الدراسة عددًا من الموضوعات التي تناولتها، وانطوت عليها رباعيات الخيام، لاسيما ما تضمنته من موضوعات فلسفية شائكة ترتبط بالكون والوجود الإنساني والحياة والموت، وسنرى كيف يفصح الخيام عن آرائه الفلسفية من خلال الشعر، وكيف تبدو هذه الفلسفة كخليط بين عدد من المدارس الفلسفية المختلفة.


فمثلا حين يقول:


ليس لِذا العالمِ ابتداء 

يبدو ولا غاية وحدُّ


ولم أجدْ من يقولُ حقّا 

من أين جئنا وأين نغدو 

(ص72) 


وحسب هذه الرباعية يبدو أكثر قربًا من الفلسفة المادية، وقد اتهم الخيام بالكفر والزندقة لما تناولته رباعياته من قضايا حساسة قد يبدو للوهلة الأولى أنها تمس بالأديان، ولكن لدى معالجة مجمل هذه الرباعيات سنرى أن الخيام تتنازعه عدة نزعات وتصورات فلسفية وفكرية، وتشكل مزيجًا من الرؤية المادية واللاإرادية، والإيمان بأن ثمة قوة خارج الطبيعة.


والخيّام كما يبدو في رباعياته ليس منكرًا، وفي ذات الوقت ليس متدينًا، ولا يؤمن بما جاءت به المعتقدات الدينية في تفسيرها لنشوء الكون والوجود الإنساني كما يقول في إحدى رباعياته:


فكَّرتْ في الدين أقوامُ كَمّا 

حارَ بينَ الشكّ والقطعِ فريقْ


فإذا الهاتف يدعوهم أيا 

بُلْهُ لا هذا ولا ذاكَ الطريقْ 

(ص109)


ثمة طريق آخر مختلف يؤمن به الخيام غير ما حملته الأديان والمعتقدات، فهو يبدو لا ادريًا وليس منكرًا أو ماديًا، لكن أكثر ما يؤرق الخيام هو قضية الوجود الإنساني وثنائية الحياة والموت، ففي تأملاته الوجودية يركز الخيام على التراب كمصير نهائي للكائن الإنساني، ويفصح لنا عن هذا الهاجس في عدد كبير من الرباعيات على شاكلة:


كلّ ذرات هذهِ الأرضِ كانت 

أَوْجُها كالشموسِ ذاتَ بهاءِ


أُجْلُ عن وجهكَ الغبار برفقٍ 

فهو خَذُّ لكاعبِ حسناء 

(ص49)


إن هذا الإحساس العميق بالوجود الإنساني ونهايته المأساوية يظهر لنا الحس الأخلاقي الذي يتمتع به الخيام، كما أنه يكشف لنا تشاؤمه من الحياة، ومن إمكانية الانبعاث من جديد بعد الموت، وهذا التشاؤم يبرزه لنا الخيام في عدد من الرباعيات ومنها:


لا يورث الدهر إلا الهم والكمَدا 

واليوم إن يُعطِ شيئا يستلِبْه غَدا


من لم يجيئوا لهذا الدهر لو علموا 

ماذا نكابِد منـــه ما أَتَــوْا أبَـدا 

(ص71)


إن مبعث هذا التشاؤم ينبع مما خبرة الخيام في حياته وعصره وتأملاته في تاريخ الإنسان، وافتقاده القدرة على بلوغ السعادة الكاملة، ويبقى أسيرا لهمومه ومعاناته وهواجسه، وأبرزها هاجس الموت.


ورغم تشاؤم الخيام إلا أنّ ذلك لم يمنعه من الاحتفاء بالحياة والدعوة إلى الفرح والسعادة، وعدم إضاعة العمر بالهموم والآلام، وتزخر أشعاره بالخمر والحب والدعوة للانشراح والنشوة كما في هذه الرباعية:


يا قلبُ إِنْ يمنحْك ذا الدهرُ الأسَى 

وسَيَفجعنَّك باغتيالِ حَياتِكا


فاغنم بهذا الروضِ أوقاتَ الهنا 

قبل امتزاج نباته برفاتِكا 

(ص112)


لقد ركز الخيام في رباعياته على التراب والخمرة، وتحلّل الكائنات بعد موتها، وعودتها للظهور في أشكال أخرى كالزهور والأشجار، ويصنع منها الأكواز الفخارية، وهكذا تظل الكائنات تحيا وتموت وفي حالة تحلل وتركب دائم من الأزل الى الأبد.


ولعل أبرز إشكالية تواجه الباحث والناقد لرباعيات الخيام أنها تفتقد للتسلسل الزمني؛ إذ لا يمكننا معرفة أيّ منها نظمه الخيام في شبابه، وأيها في مرحلة النضج، وأي منها في كهولته.


إن هذه الدراسة التي تحاول النفاذ إلى عالم الخيام، ونسعى من خلالها لتفكيك هذه الرباعيات في محاولة لفهم المكونات الفكرية والفلسفية والأخلاقية لدى الخيام فأنها تأمل في ذات الوقت تحفيز النقاش والجدل وتشجيع الإقبال على دراسة نصوص هذا الشاعر العظيم، ومساهمه في إثراء الثقافة العربية، وتحفيزها للتفاعل مع هذه الكنوز الأدبية وما تنطوي عليه من موروثات ثقافية وأدبية عربية.

#كميل_أبو_حنيش 

#سجن_ريمون_الصحراوي

author-img
هند خطاب رئيس القسم الادبي ومساعد رئيس مجلس الإدارة

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent