كتب : ماهر المنزلاوي
للعلم مكانة عالية ، ومنزلة غالية ، وأهمية بالغة في الإسلام ، تظهر في الكثير من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة ، والتي تدعو إلى طلبه والسعي إليه ، وطرق كل أبوابه ، وشتي مجالاته ، حيث كانت أول آيه في القرآن الكريم ، تأمر بالقراءة ، التي تعتبر المدخل لكل العلوم الدينية و الدنيوية ، قال تعالي ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، إقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ) ، وحث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم علي طلب العلم ، فقال في حديثه الشريف (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ) .
ولا شك أن العلماء ، هم الارقي مكانة ، والاعلي منزلة ، سادة الناس وقادتهم ، وموضع ثقتهم ، وفخر المجتمع ، وأعلى درجاته ، و الأحق بالتعظيم ، والأولى بالتفخيم ، وهم بين الموتى أحياء ، ولله در من قال :-
وقدر كل امرئ ما كان يحسنه ،،،،،،،
و الجاهلون لأهل العلم أعداء .
ففز بعلم تعش حياََ به ابداََ ،،،،،،،
فالناس موتى وأهل العلم أحياء .
إن الدنيا مذ خلقت ومذ بدأت ، وتشهد للمعلم بالرفعة والاحترام ، والاجلال والإكرام ، فكان تاج الرؤوس ، وراحة النفوس ، المعظم بين الوقوف والجلوس ، يشار إليه بالبنان ، ويعامل بالفضل والإحسان ، لا يجارى ولا يبارى ، لا يضاهي ولا يوازي ، لا يحابي ولا يوالي ، لا يخشى ولا يبالي ، ذا هيبة ووقار ، أمين مستشار ، قوي مستجار ، مأمول لدى الكبار ، و مهاب من الصغار ، قاضيهم عند النزاع والشجار ، يروي العقول والأفكار ، ويحرسها من شر الأشرار ، ومن جهل الفجار ، سراج ينير الطريق للسالك ، ومصباح يهدي العاصي والهالك ، بالهيبة وصف ، وبالعلو اتصف ، وهكذا عٌرف في المجتمع ، وأوصافه لا يٌعّرف بها غيره بين الناس .
إن المعلم هو ملح البلاد ، وحامي العباد ، وأصل العماد ، وبقدر رٌقٍيّه ترتقي المجتمعات ، وتتعالا الأمنيات ، وتتعاظم الدرجات ، وبقدر عجزه وضعف مستواه ، تظهر المشكلات ، وتتفاقم العثرات ، و تهوى الدول ، وتتلاشى الأمم ، وبفساده يفسد المجتمع ، فمن يصلح الملح إذ الملح فسد ؟ ، ولا يستطيع أي مجتمع تحقيق أهدافه ، ولا إدراك آماله ، ولا بلوغ أحلامه ، ولا مواجهة متطلباته ، إلا بالعلم ، وإعلاء ورفعة المعلم ، ولله در سفيان الثوري حين قال :-
الأعمال السيئة داء ، والعلماء دواء ، فإذا فسد العلماء ، فمن يصلح الداء .
لكن ما نحن فيه من تردي أوضاع المعلم ، وضعف العائد المادي الذي يحصل عليه ، وتكبيله بالقيود والمعوقات ، وحرمانه من العيش بحياة كريمة ، الأمر الذي اضطره ، إلى البحث عن بديل لتوفير احتياجاته ومتطلباته ، غير عابئ بتلاميذه وطلابه ، ولا بالمجتمع الذي يحيا فيه ، ولا للذين تحولت نظرتهم إليه ، من قم للمعلم ووفه التبجيلا ، إلى نظرتهم له على أساس أنه تاجر ، يقدم خدمات تعليمية مقابل أجر ، ناهيك عن من اجبرتهم الظروف على أعمال إضافية لا تليق بالمعلم ولا وبمكانته .
لاخلاف على أن المعلم هو نقطة البداية ، و المحطة الأولى للانطلاق والتحرك نحو تربية جادة ، وتعليم أمثل ، ومجتمع متقدم ، وأمة قوية ، تعلو علي مصاف الأمم ، فلا يقوم أى مجتمع على الأرض إلا بنهوض المعلم ، والمعرفة بقدره ، والاعتراف بفضله ، والقيام بحقه ، والعودة به إلى مكانته وسلطانه ، في المدرسة وفي البيت وفي نفوس أبناءه وطلابه ، ولنعيد له هيبته المفقودة ، وحقوقه المغصوبة ، ومنزلته اللائقة في المجتمع ، والرجوع به إلى وصفه الحقيقي من كونه ملح البلد ، فهذه هي الغاية المبتغاه ، والأمنية المرتجاه ، والهدف المنشود الذي لا يساوم عليه ولا يعدل عنه إلى غيره ...