recent
أخبار ساخنة

التخطيط والتخطيط الاستراتيجي أ.د. أحمد عبد العظيم سالم أستاذ ورئيس قسم أصول التربية والتخطيط - جامعة العريش المساء العربي

التخطيط والتخطيط الاستراتيجي

أ.د. أحمد عبد العظيم سالم
أستاذ ورئيس قسم أصول التربية والتخطيط - جامعة العريش

لقد شغل الإنسان دوماً بالتفكير في المستقبل ومواجهة تحدياته، ومنذ أن خُلق الإنسان لازمه هذا التفكير المستقبلي الذي اتخذ أشكالًا متعددة منها العرافة، والكهانة، والتخمين، ثم عرف الإنسان بعد ذلك "اليوتوبيا" العلمية والفلسفية كجمهورية أفلاطون، والمدينة الفاضلة للفارابي، وروح القوانين لماسكوتي وغير ذلك، وجميع هذه المحاولات الفكرية كانت تهدف إلى تصور أو تخيل واقع يختلف عن الحاضر الذي يعيش فيه الإنسان، إلا أن كثيراً من هذه التصورات لم تكن واقعية.
ولم يُعرف التخطيط للمستقبل بمعناه الحديث إلا بعد الحرب العالمية الأولى؛ حيث ظهر التخطيط بمعناه العالمي في "الاتحاد السوفيتي" كأسلوب جديد لتسيير التطور الاقتصادي والاجتماعي، وتعتبر الخطة القطاعية التي قام بها الاتحاد السوفيتي بوضعها عام 1920 لكهربة روسيا لمدة 15 عاماً أول خطة للتطور بعيدة المدى في العالم، ثم تلاها عام 1928 وضع أول خطة خمسية 1928-1932 لعموم الاقتصاد السوفيتي.
ولو انتقلنا سريعاً إلى منتصف القرن العشرين لنجد أن "علم المستقبليات" بدأ يتشكل ويأخذ ملامحه ويحدد منهجياته وأساليب البحث فيه حيث أسس العالم الفرنسي "بروجيه" أول مركز لاستشراف المستقبل وذلك في باريس عام 1957 وفي عام 1958 أصدر مجلة تعني بقضايا الاستشراف.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية نشأ "علم المستقبليات" في كنف المؤسسة العسكرية التي عنيت -منذ نهاية الحرب العالمية الثانية- بإعداد الاستراتيجيات العسكرية، ودراسة القوة العسكرية للتحالفات والتكتلات المختلفة، ولعبت مؤسسة (راند (Rand دوراً مهماً في إصدار الدراسات المستقبلية التي ساعدت المؤسسة العسكرية في إعداد الخطط الاستراتيجية.
وقد ظهرت نتائج التخطيط السوفيتي وفعاليته اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وعلمياً في الحرب العالمية الثانية، وكان من نتائجه ارتياد أول إنسان للفضاء، وبعدها شعرت الولايات المتحدة بالعجز أمام الاتحاد السوفيتي سابقاً، وبعدها انتشر التخطيط وأخذت به أمريكا، وأصبح التخطيط الرأسمالي يفوق التخطيط الاشتراكي.
ولو تتبعنا تطور الفكر التربوي عبر العصور التاريخية المختلفة لوجدنا أن معظم دول العالم -المتقدم فيها والنامي- قد تستخدم أسلوب التخطيط - بصورة مباشرة أو غير مباشرة – في التربية؛ لإرساء قواعد ونظم جديدة للتعلم وفقاً للفلسفات المتعددة التي ظهرت في عصورهم، وكان لها الفضل في بناء ما يعرف بـ (تاريخ التربية وتاريخ التعليم) والمسئول عن نوعية البناء الحضاري والبشرى لتلك الأمم.
وتجدر الإشارة ونحن نتحدث عن إرهاصات النشأة لمفهوم "التخطيط" إلى أن علم المستقبليات يعتمد في انطلاقته الأولي على أن مشكلات اليوم نتيجة لقرارات اتخذت بالأمس، وبالتالي فإن التركيز على دراسة الحاضر واتجاهاته ومشكلاته وتغيراته تساعدنا كثيراً على فهم المستقبل، وما قد يحدث فيه، وكذلك فإن الدراسات المستقبلية يمكن أن تؤثر في صناعة واتخاذ القرارات اللازمة لصناعة مستقبل المكان أو الأفراد، لأنها تقدم معلومات مهمة إلى متخذي القرارات تعتمد علي منهجيات علمية وبدائل ومفاضلات تسهم في اتخاذ قرارات فاعلة. 

ويعد "التخطيط الاستراتيجي" من أكثر المفاهيم التي لاقت انتشاراً ومُدارسة في شتي مجالات الحياة في السنوات الأخيرة، فلقد أُعتبر حجر الزاوية لقيام واستمرار أي منظمة أو مؤسسة، ومن ثم فنجد له الكثير من التعريفات من وجهات مختلفة، كلٌّ بحسب طبيعة المجال، وطبيعة المعالجة، وطبيعة الفائدة المرجوة منه.
ومثل أي مصطلح في العلوم الإنسانية تعددت المفاهيم والتعريفات للتخطيط الاستراتيجي، ولعل من الفائدة أن نجمل في البداية جوانب أربعة يتضمنها هذا الأسلوب التخطيطي، تحوي ماتضمنته كل التعريفات التفصيلية اللاحقة، وهي:
مستقبلية القرارات الحالية: حيث إن التخطيط الاستراتيجي يركز على تحديد مواطن القوة والضعف التي تكمن في المستقبل؛ وذلك لإيجاد أساس يُمكن للمؤسسة أن تعتمد عليه في اتخاذ قرارات حالية تؤدي للاستفادة من الفرص المتاحة وتجنب المخاطر، وعلى ذلك فالتخطيط هنا يعني تصميمًا للمستقبل وتحديدًا للوسائل الكفيلة بإحداثه.
التخطيط كعملية؛ فالتخطيط الاستراتيجي عملية تبدأ بوضع الأهداف، ثم تحديد الاستراتيجيات والسياسات والخطط التفصيلية التي تتضمن تنفيذ الاستراتيجيات بصورة تؤدي إلي تحقيق الأهداف المطلوبة، وعلى ذلك فالتخطيط بهذه الصورة يعد عملية يتحدد من خلالها يتحدد من خلالها بشكل مسبق نوع الجهد التخطيطي المطلوب، وتوقيته، وكيفية تنفيذه، والشخص أو الجهة التي ستتولى التنفيذ، وكيفية التعامل مع النتائج، وهذا يعني أنها عملية تسير عل أسس مفهومة، ولكنها في نفس الوقت تتصف بالاستمرارية؛ لاحتواء التغيرات التي قد تحدث في البيئة، وإن كان ذلك لا يعني تغيير الخطط كل يوم، ولكن عندما تكون هناك ضرورة لذلك.
التخطيط كفلسفة؛ فالتخطيط يعد اتجاهًا وطريقة للحياة؛ فهو يركز على الأداء المبني على أساس من دراسة واستلهام المستقبل، كما أنه يُركز أيضًا على استمرارية التخطيط وعدم اعتمادها فقط على مجموعة ثابتة من الإجراءات والأساليب.
التخطيط كبناء؛ فالتخطيط الاستراتيجي يعمل على ربط ثلاثة أنماط رئيسية من الخطط هي: الخطط الإستراتيجية، والبرامج متوسطة المدى، والميزانيات قصيرة المدى، والخطط الإجرائية، بهدف تحويل التكامل بينها إلي قرارات حالية. 
ويعد التخطيط في صورته العامة تصوراً لما سيحدث في المستقبل، فهو عملية عقلية تسبق أي عمل، وتنتهي باتخاذ قرار أو مجموعة من القرارات تسهم في وضع الفرد أو الجماعة في صورة مرغوبة في المستقبل.
ويُعرف التخطيط الاستراتيجي بأنه "العملية المستخدمة في توجيه أعضاء المؤسسة نحو تصور مستقبلها، وتكوين الإجراءات الضرورية والعمليات من أجل تحقيق ذلك المستقبل".
كما يُعرف بأنه "عملية تُحدَّد ﺑﻬا أهداف المنظمة في الأجلين المتوسط والطويل، وتوضع ﺑﻬا خطط الموارد المرصودة لتحقيق هذه الأهداف" 
وعرفه آخرون بأنه "مجموعة من العمليات تبدأ برسم الصورة التي تريد المؤسسة أن تكون عليها في المستقبل، ثم تحديد الأهداف الاستراتيجية التي تساعد على تحقيق هذه الصورة، ثم تحديد الوسائل والاستراتيجيات الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف بعد معرفة التحديات في البيئة الداخلية والخارجية.
ومن خلال التعريفات السابقة وغيرها مما زخرت به الأدبيات المتعلقة، نلحظ مايلي:
أن التخطيط الاستراتيجي يرسم صورة للمستقبل المأمول.
أنه يضع طريقاً مثالياً للوصول للأهداف المرسومة.
أنه يقوم علي التنبؤ بما يمكن أن يحدث في المستقبل لتفادي مشكلاته وعقباته.
أنه وثيق الصلة بعمليات التفكير الاستراتيجي.
عملية اتخاذ القرار مرحلة مهمة للغاية في التخطيط الاستراتيجي.
google-playkhamsatmostaqltradent