كتب : ماهر المنزلاوي
من أقسى و أشد المشاعر الإنسانية على أي شخص هي غياب الأحبة ، الذين تتعلق القلوب بهم ، وتهوي النفوس إليهم ، وتنعم الجوارح بجوارهم ، و تتألم الافئدة بفقدانهم ، ويبقى الإنسان ماببن شعور الأمل في العودة قائم مهما طال غيابهم ، حتي وإن كان دون جدوى ، وبين شعور الألم علي عمر مضى ، لم يعد فيه إلا ذكريات شوق وحنين ، مرسومة بألوان باهتة ، غير راضية علي كثير منها ، تتساءل عن سر وجود علامات الاستفهام والتعجب والفواصل ، وترددك كثيراً في عدم وضع نقاط للنهايات ، حتي ولو كانت نقطة اللقاء الأخير .
ولا شك أن الغياب المادي ، أهون بكثير من الغياب المعنوي ، ف أثقل شيء على النفس البشرية ، وجود أشخاص بجانبك ، لكنهم لا يشعرون بك ، ولا يعيرونك أدنى إهتمام ، فلا تحزن علي غيابهم ، ولا تبكي عليهم ، بل هي رحمة من الله أن فقدتهم بالموت ، من أن تفقدهم وهم أحياء .
وتبقى الوفاة غياب حتمي ، تجعل من الوحدة والفراغ ، الكلمة الفصل في كل العلاقات الإنسانية ، محملة بذكريات تطوف من حولك ، لتخبرك وتأكد علي أنه ليس هناك أمل من اللقاء ، وأن الغياب قدرك ومصيرك مهما فعلت .
وقد يحدث الغياب كنتيجة طبيعة للهجر والشقاق المؤدي لا محالة للانفصال الموجب لاستحالة العشرة ، كحل بديل من العيش في تعاسة، وغياب للاحترام والحب والثقة ، فينفصل الشخص عن شريكه الذي لم يعد بينهم زهرة الحب التي دبلت وأصبحت علي حافةالموت ، فينفصلوا ويستكمل كل منهم حياته سعيد بدلا من العيش داخل النار وهم مازالوا في الدنيا .
في الغياب تجد نفسك طواقة الي إعادة إكتشاف نفسك من جديد ، والرغبة في ترتيب أوراقك المبعثرة ، والتخلص من مؤلم الذكريات ، وآلاف الأنات والتنازلات ، وطمس كل محاولات التفكير في الماضي ، بل الرغبة في إعادة تقييم من تحب ، والكشف عن الوجه الحقيقي لهم ، وربما أيضاً التأكد من أن وجودهم كان وهم كشفه البعاد والغياب .
وقد يحمل الغياب أغلى واثمن آيات القدر لك ، والذي يمنحك فرصة أخيرة للتخلص من أشخاص كم حاولت وجاهدت نفسك على التأقلم عليهم ، إضراراً بنفسك وتحميلها فوق ما تستطيع ، رغبة منك في تسيير الأمور ودفع العجلة الي الأمام ، وما هي إلا في حقيقة الأمر مهلكة لك .
في الغياب يتجدد الألم والأمل ، ألم علي عمر ضاع لتبدأ من جديد رغم صعوبة البداية والتي لابد أن يتخللها خوف وندم وترقب ، وأمل في التعافي ونسيان الماضي بكل ما فيه ، وما بين الألم والأمل محيط هادر وذورق ممزق ومتاع قليل ليبقي السؤال ما بين الألم والأمل أهو إختلاف في ترتيب الحروف أم في ترتيب أولويات وقدريات الحياة ؟