ونكمل الجزء الخامس مع طليحة بن خويلد الأسدى، وكان طليحة ممن شهد غزوة الخندق في صفوف المشركين، ثم أسلم، ثم ارتد بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنبأ بنجد، وحارب المسلمين ثم انهزم على يد جيش خالد بن الوليد، وتفرق جنده فهرب ولحق بآل جفنة الغساسنة بالشام، وقد عاد طليحة بعد ذلك وأسلم وحسن إسلامه، ثم اتجه إلى مكة يريد العمرة في عهد أبي بكر الصديق رضوان الله عليه واستحيا أن يواجهه مدة حياته، وقد رجع فشهد القتال مع خالد بن الوليد، وكتب أبو بكر الصديق إلى خالد ان استشره في الحرب ولا تؤمره، وهذا من فقه الصديق رضوان الله عليه وأرضاه، لأن الذي جعل طليحة يدعي النبوة حبه للرياسة والزعامة، ولذا سأل خالد أحد أتباع طليحة ممن أسلموا وتابوا معه، ولما جاء وسلم على عمر بن الخطاب قال له اغرب عن وجهي فإنك قاتل الرجلين الصالحين، عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم، فقال يا أمير المؤمنين هما رجلان أكرمهما الله على يدي ولم يهني بأيديهما، فأعجب عمر بن الخطاب كلامه، وأوصى الأمراء أن يشاور ولا يولى من الأمر شيئا، وقد شهد معركة اليرموك وكذلك كانت وصية عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص في القادسية، فلما كان يوم أرماث قام طليحة في بني أسد يدفعهم إلى القتال وإلى الدفاع عن الإسلام والمسلمين يقول ابتدئوا الشدة، وأقدموا عليهم إقدام الليوث الحربة، فإنما سميتم أسدا لتفعلوا فعلة الأسد، ثم بارز الفرس وقادتهم وعلى رأسهم الجالينوس فقتل منهم وأصاب، وفي يوم عمواس كان مقداما لا يهاب الموت.
وهاجم الفرس وحده من خلفهم ثم كبر ثلاث تكبيرات ارتاع لها الفرس، فظنوا أن جيش الإسلام جاءهم من ورائهم، وفى القادسية خرج هو وعمرو بن معد يكرب وقيس بن المكشوح، للاستطلاع فأبى ان يرجع حتى يتم المهمة، واتهمه البعض بالغدر وعايروه بقتله عكاشة وصاحبه، لكنه أصر أن يكمل المهمة وحده دون عون منهم، فخاض في الماء يريد الوصول إلى معسكر رستم قائد الفرس، الذي يضم أكثر من ثمانين ألف مقاتل، وكذلك وهو يركب فرسا من خيلهم وكان يحب الخيل وأخذ يعدو به، وخرج الفرس في أثره يريدون القبض عليه أو التخلص منه، فقتل منهم اثنين من خيرة قادتهم وفرسانهم، ثم أسر الثالث وسار به حتى وصل معسكر المسلمين، فدخل على سعد فقال له سعد ويحك ما وراءك؟ قال طليحة أسرته فاستخبره فاستدعى سعد المترجم، فقال الأسير أتؤمنني على دمي إن صدقتك؟ قال سعد "نعم" قال "أخبركم عن صاحبكم قبل أن أخبركم عمن قبلي" ثم راح يحدثهم عن بطولة وشجاعة طليحة النادرة، واختراقه معسكرا فيه ما فيه من الجنود والقادة، وشهد له بأنه يعدل ألف فارس، ثم أسلم هذا الأسير، وحسن إسلامه، واستفاد منه المسلمون استفادة عظيمة نظرا لخبرته بمعسكر الفرس، وقد قاتل طليحة في معركة نهاوند قتال الأبطال حتى نال الشهادة، فكان طليحة أحد كهنة بني أسد، وقد ادّعى النبوة هو الآخر في أواخر حياة النبى صلى الله عليه وسلم شأنه في ذلك شأن الأسود العنسي ومسيلمة، واستقر في بزاخة وهي ماء لبنى أسد، وظهر أمره بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم فتبعه قومه.
واستقطبوا حلفاءهم من طيء والغوث ومن إليهم، وانضمّت إليه غطفان، والتفّ حوله عوام طيء والغوث وبني أسد، وكانت منازل بني أسد في نجد، وتقع إلى الشرق من ديار طيء وإلى الجنوب من منازل بكر، وإلى الشمال من ديار هوازن وغطفان، وتتاخم قبائل عبد القيس وتميم من الغرب، وبحكم هذا التجاور تحالفت هذه القبائل أو تخاصمت وفقا لتطور أوضاعها والظروف المحيطة بها، وليس واضحا ما دفع طليحة إلى التنبؤ، وربما كان للتنافس القبلي دور في ذلك بدليل قول عيينة بن حصن الذي أشرنا إليه، بالإضافة إلى انتشار ظاهرة التنبؤ في بلاد العرب، ولم يدع طليحة العرب إلى العودة لعبادة الأصنام، كما لم يدع غيره من المتنبئين إلى العودة لعبادتها والراجح أن مرد ذلك بأن النبى محمد صلى الله عليه وسلم قضى على الوثنية في الجزيرة العربية قضاء مبرما، واستقرت عقيدة التوحيد في النفوس بشكل جعل التفكير في العودة إلى عبادة الأصنام ضربا من الهذيان، فدعا إلى أفكار لم يحفظ لنا التاريخ منها شيئا يُذكر، وكل ما وصل إلينا أنه أنكر الركوع والسجود في الصلاة، وقال "إن الله لم يأمر أن تمرغوا وجوهكم في التراب، أو أن تقوسوا ظهوركم في الصلاة" وقال أيضا إن الله لا يصنع بتعفير وجوهكم وقبح أدباركم شيئا، فاذكروا الله أعفة قياما فإن الرغوة فوق الصريح، وهذا تأثير نصرانى، والراجح أن السبب في ندرة المعلومات يعود إلى أن المسلمين الأوائل لم يدونوا إلا ما كان يتوافق مع أحكام الدين الإسلامي، وأهملوا ما دون ذلك، ولقد حارب النبى صلى الله عليه وسلم انتشار ظاهرة التنبؤ.
في حياته، فكما أوعز إلى مقاومة الأسود العنسى والتخلص منه إما غيلة وإما مصادمة، فقد وجه ضرار بن الأزور إلى عماله على بني أسد يأمرهم بالقيام على كل من ارتد، ونزل المسلمون واردات ونزل طليحة ومن معه سميراء، وكانت كفة المسلمين هي الراجحة بفعل تواتر الأنباء على انتصاراتهم في غير منطقة، حتى هم ضرار بالسير إلى طليحة ومقابلته، ولقد سبقه أحد المسلمين يريد أن يتخلص من هذا المتنبئ فضربه بالسلاح فأخطأه، وأسرع المحيطون به باستغلال هذه الحادثة، وأذاعوها بين الناس مدعين بأن السلاح لا يؤثر في نبيهم، وفي الوقت الذي كان فيه المسلمون يستعدون لمواجهة هذا الموقف إذ جاءهم نعي النبى محمد صلى الله عليه وسلم، فاضطربوا وتناقص عددهم، وهرع الكثيرون منهم إلى طليحة يتابعونه ويؤيدونه، وأما الأسود العنسى فقد خرج بصنعاء، وادعى النبوة في حياة النبى صلى الله عليه وسلم، وغلب على عامله هناك المهاجر بن أبى أمية، وعظمت شوكته، وحارب المسلمين، وفتك بهم، ولم يزل يعيث في الأرض مفسدا، حتى أخذه الله قبيل وفاة النبى صلى الله عليه وسلم أو يومها، وأراح العالم من شره ثم ظهر بعد العهد النبوى كذابون دجّالون متنبئون، منهم المختار بن أبي عبيد الثقفى، وقد شهد عليه بدعوى النبوة والكذب الصريح جماعة من أهل البيت، بل شهد عليه حديث الإمام مسلم في صحيحه عن السيدة أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما في قصتها مع الحجاج بن يوسف الثقفى، وهي تقول له "أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم"
"حدثنا أن فى ثقيف كذابا ومبيرا، فأما الكذاب فرأيناه، وأما المُبير فلا إخالك إلا إياه" فقام عنها، ولم يراجعها" والمبير هو الجبار المُهلك، والمراد به هنا هو الحجاج بن يوسف الثقفي، والمراد بالكذاب هو المختار بن أبي عُبيد الثقفى، وذلك بإجماع العلماء، كما قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم، ومن أقبح أكاذيبه وهو دعواه أن جبريل عليه السلام كان يأتيه بالوحي، ومما ورد في ذلك ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن رفاعة الغسانى قال" دخلت على المختار، فألقى إليّ وسادة، وقال لولا أن أخى جبرائيل قام عن هذه وأشار إلى أخرى عنده لألقيتها لك" وقد يكون من العجب أن أباه أبا عبيد الثقفى كان رجلا صالحا، واستشهد أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه في حرب المجوس، وكذلك أخته صفية بنت أبي عبيد وكانت امرأة عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، وكانت امرأة صالحة، وترجم لها ابن حبان في الصادقين الثقات، وأما المختار فأجمعوا على أنه رأس من رؤوس الكَذب والضلال، وقد أخذه الله تعالى على يد مصعب بن الزبير بالكوفة سنة سبع وستين من الهجرة، ثم ظهر من بعد المختار دجّالون متنبئون من هؤلاء الذين حدثنا عنهم الصادق المصدوق محمد صلى الله عليه وسلم الحارث بن سعيد الدمشقي، الذي ظهر في أيام عبدالملك بن مروان، واغتر به خلق كثير إلى أن وقع في قبضة عبد الملك بن مروان، فسجنه وقَتلة، ومثل إسحاق الأخرس الذى ظهر في خلافة أبي العباس السفاح، ومن أخباره أنه نشأ بالمغرب، وتعلم القرآن، ولم يترك علما حتى أتقنه.
ثم ادعى أنه أخرس تمهيدا لدعواه النبوة، ثم رحل إلى أصفهان، ونزل بها عشر سنين، ثم زعم أن ملكين جاءاه بعد خلوة أربعين يوما، فأيقظاه وغسّلاه، وسلما عليه بالنبوة، في نبأ نقله صاحب كتاب "الدعاة" وآخر هؤلاء الأفاكين كأَولهم، وكلهم أعرق الناس ضلالا، وأسخفهم أقوالا، وأبعدهم عن العقل والفضل مجالا، وقد قطع الله دابرهم، ووقَى العالم شرورهم، ولم يبق من أخبارهم إلا نوادر وأحاديث تتفكه بها كتب الأدب والتاريخ قصدا إلى الترويح والتسلية، لكن الحكيم العليم الذي يبلو عباده بالشر والخير فتنة، والذي جعل لكل نبى عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، ولا يزال يبتلي هذا الدين الحنيف وأهله بأرؤس من هؤلاء المخبلين، تتحرك ثم تقطع، ثم تبقى أذنابها تتلوى حينا على عمى وتخبط، إلى أن يتبعها الله أرؤسها بأيدى أولي بأس من عباده، وفي أواخر حياة النبى صلى الله عليه وسلم، قد برزت ظاهرة التنبؤ في عدد من القبائل العربية التي لم يتمكن الإسلام من نفوس أبنائها، وكان من هؤلاء أيضا هو طليحة بن خويلد الأسدى الذي ادعى النبوة دون أن يدعو إلى عبادة الأوثان وإنما اقتصرت نبوته على إنكار بعض أمور الدين الإسلامي كإنكار السجود والركوع في الصلاة وغيرها، وكان من بطولته النادرة بعد إسلامة فى معركة القادسية انطلاقه وحيدا إلى خلف جيوش الفرس الذين اعتقدوا أن جيش المسلمين أتوهم من الخلف فدب الرعب في قلوبهم، وقال ابن سعد في الطبقات "كان طليحة يعدّ بألف فارسٍ لشجاعته وشدته"
وقد شهد من المسلمين معركة نهاوند فى السنة الحادية والعشرين للهجرة واستشهد فيها بعد أن أبلى بلاء الأبطال الشجعان، وهكذا فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وهذا الحديث يؤكد أن الله سبحانه وتعالى قد يغير حال المرء من أمر إلى أمر ومن خير إلى شر، أو من شر إلى خير، ولعل هذا الحديث ينطبق على طليحة بن خويلد الأسدى، الذي دخل الإسلام في حياة النبى صلى الله عليه وسلم وارتد عنه، وصار من المتنبئين لكن شاء الله له الهداية حتى قُتل شهيدا، وبعد وفاة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، قد عظم أمر طليحة بن خويلد والتف حول عدد من قبائل غطفان وأسد، ولما رأى كثرة الأتباع حوله تمادى في ادعاءاته وزعم نزول جبريل بالوحي عليه وبدأ في تأليف كلام مسجوع يزعم أنه وحي من الله، ولما تولى أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخلافة، كان قتال المرتدين من أوائل الأعمال التي قام بها وقد هداه الله لهذا الأمر فكان أعظم الناس أجرا في إعادة الجزيرة العربية إلى الإسلام مرة أخرى، وقد أمر أبو بكر الصديق، القائد خالد بن الوليد رضي الله عنه، بالسير إلى طليحة في منطقة بُزاخة، ولما وصل خالد بن الوليد أرسل عكاشة بن محصن وثابت بن الأقرم ليستطلعا خبر القوم فظفر بهما طليحة فقتل أحدهما وقتل أخوه الآخر، وقد وقع بينه وبين خالد بن الوليد قتال فرّ طليحة على إثره وتفرق جمعه وقصد الغساسنة بالشام يحتمي بهم، وقد شاء الله تعالى أن يشرح صدر طليحة للإسلام فعاد إلى الإسلام وحسن إسلامه، وكان ذلك في خلافة أبي بكر الصديق.