recent
أخبار ساخنة

الصراخ/ بقلم إبراهيم عبد الكريم المساء العربي


 قصة مستوحاة من فاجعة طنجة من شهر فبراير 2021 تحت عنوان:

 الصراخ

كانت الابتسامة لا تفارق عائشة منذ نعومة أظافرها، كل أفراد الاسرة يرون في مستقبلها  خلاصا لهم   من الفقر ومعاناة الحياة اليومية، في المدرسة عرفت  بجديتها، لا تطيق الفشل، هي  الفتاة البكر لعائلة مكونة من خمسة أفراد لكن دون مورد مالي يضمن لهم قوتهم اليومي في ظروف سليمة. كانت عائشة جميلة بعينيها العريضتين  وشعرها  الاسود الحريري الطويل.  كانت صاحبة الكلمات الساحرة التي تبث الطمأنينة في قلب الجميع بما فيهم الجيران. اضطرت لترك الدراسة والعمل من أجل سد حاجيات عائلتها  ٲمام  ارتفاع  نفقات المعيشة ومتطلبات المدرسة لإخوتها وسداد أجرة الكراء،  والدها  السيد أحمد بات عاجزا على العمل  الشاق الذي نخر عضلاته،  لقد قضى جل حياته حمالا  بالسوق الأسبوعي إلى أن بلغ  سن الستين من عمره،  منذ ذلك  الحين لم  يتوقف على العلاج،  إلا أن تكاليف الأدوية الباهظة ٲثقلت كاهل العائلة فأجبرته على ترك استشارة الطبيب والاعتماد على الشعوذة من  طلاسيم وأعشاب لم تنفعه في شيء.   في البداية وجدت عائشة صعوبة في الحصول على شغل إلى أن عرض عليها العمل بالمقهى، لكن والدها أحمد عارضها وبشدة خوفا من كلام الناس كما قال.  " والله ماتخدمي في القهوة" هكذا انفجر الأب في وجهها على الرغم من مرضه وحاجته للمال لنفقات البيت وعلاجه،  تابع بقوله" واش ٲبغيتي تبهدليني"،  أحاسيس وتقاليد راسخة في المجتمع المغربي المتحفظ.

حاولت عائشة اقناع أبيها لكنه ظل متشبثا  برأيه  إلى أن تدخلت ٲمها  في حوار معه قائما على  الرزانة  وحسن التدبير، حينها وافق  دون أن يكلم  ابنته،  حينها ذهبت عائشة  مسرعة للالتحاق بالعمل،  لحسن الحظ  وبعد قضاء أربعة أسابيع  اقترح عليها عمل في إحدى الوحدات الصناعية المتخصصة في النسيج ف كانت فرصة لها في ٲن تترك عملها لاسيما وأنها تعرضت لكثير من المضايقات من بعض الزبائن.

لم تنتظر مشاورة والديها لتوافق دون تردد. مجتمع تسوده معتقدات من العهد القديم حول عمل المرأة خارج بيتها. 

على الرغم من ان عائشة  كانت تتقاضى اجرة هزيلة  مقابل عمل شاق يتعدى  عشرة  ساعات يوميا،  إلا أنها تحملت المتاعب  لتوفير نصيبا من المال لعائلتها، كما أنها ترعرعت  لتصبح شابة تفكر في مستقبل حياتها  في انتظار فارس الأحلام.

توالت الأسابيع والشهور الى ان  تعرفت على  عماد الذي كان  يعمل بنفس مصنع النسيج،  عماد  الشاب الأنيق من خريجي  الجامعة  إلا انه لم يكن محظوظا في الحصول على وظيفة، لهذا قرر البحث عن عمل لتوفير قوته اليومي عوض البطالة، بعد شهرين من تعرفه على عائشة  تقدم لخطبتها من ابويها.

ليقوم بعد ذلك بالتحضير للزفاف برفقة خطيبته.

وفي صباح الاثنين من شهر فبراير، التحقت عائشة بعملها إلا أن الأمطار تهاطلت  بقوة،  بعد ساعتين من العمل وجدت نفسها  محاصرة مع مجموعة من العمال نتيجة  تسرب المياه  إلى داخل المصنع "السري"حيث  ارتفعت الفيضانات الى حوالي ثلاثة امطار، لاسيما وان الوحدة الصناعية تقع في مرآب بناية سكنية من جهة ومن جهة اخرى لا تتوفر على  نفق الخروج  والإنقاذ. على أثر الصراخ الذي سمع من بعيد هبت الجماهير لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، إلا أن الفاجعة وقعت ومات ثمانية وعشرون عامل وعاملة من أجل لقمة العيش،  ماتت معهم العروسة عائشة وخطيبها، ضاعت أحلام الزفاف.

 

فرنسا 13/2/2021

إبراهيم عبد الكريم

المغرب.

google-playkhamsatmostaqltradent