بقلم احمد حموده
عمر بن الفارض الشاعر الصوفى الثانى بعد جلال الدين الرومى ، و يُروى أنه كان يغوص فى غيبوبة تسكره لأيام ، فإن أفاق منها تدفق لسانه شعراً ، حتى إنه كان يملي على من يكتب عنه نحو أربعين أو خمسين بيتاً دفعة واحدة.
و أعلى مراتب شعره حواها ذلك الديوان المعروف بإسم «التائية الكبرى» ، الذى يتكون من سبعمائة و ستين بيتاً. و قد عده الشعراء و النقاد ترجمة لروح من أبدعه ، و التى شربت من بحار التصوف حتى ارتوت ، ففيها وصف رياضاته الروحية و مجاهداته ، التى كان ينشد منها الوصول إلى الكمال الإنسانى الخالص الذى يصل إلى أصفى صوره وأعلى مراتبه حين ينال الإنسان رضا ربه ، أو حين يتم «رضاء الحبيب عن محبوبه» كما يقول ابن الفارض نفسه.
سلطان العاشقين ، صاحب أناشيد الحب الإلهى الصافية الراقية. هو الشاعر المعتمد فى مجالس الذكر ، و المستقر فى خيال من طالتهم حرفة الأدب
و على رغم تقدّم الزمن ، و تبدُّل الأحوال ، لم يبلَ ما جاد به إبن الفارض من أشواق و معارف ، أدت إلى أن يصفه شيخ الأزهر ، و أحد فلاسفته و علمائه المستنيرين ، الدكتور مصطفى عبدالرازق ، بأنه «الصوفى المصرى الأول بلا منازع ، و رأس شعراء التصوف ، الذين نظموا قصائدهم بالعربية ، و قيل إن شعره من أرق الدواوين ، و أسرعها إلى القلوب ، إذ هو صادر عن نفثة مصدور ، و عاشق مهجور».
و هذه القصيدة الطويلة ، التى تنتهى بالتاء المكسورة ، أثارت قريحة المتصوفة وألهبت مشاعرهم، فأثنوا عليها ثناء طويلاً، ومن بين هؤلاء عبدالرازق الكاشانى صاحب معجم اصطلاحات الصوفية، الذى قال فيها:
«لما تصفحت التائية مراراً، وقلبتها أطواراً، واحتظيت بمعانيها على قدر ما وسعنى من الاستعداد، واجتليت مبانيها على ما وفق لى من النظر بالفؤاد- وجدتها مبنية على قواعد العلم والعرفان، منبئة عن نتائج الكشف والوجدان، مشيرة إلى ما أطلع الله ناظمها عليه، ووصل قدمه إليه، عن حقائق التوحيد، ودقائق التفريد، والمواجيد الصحيحة، والمكاشفات الصريحة، والمعاملات النفسية، والمنازلات القلبية، والموصّلات الروحية».
ولابن الفارض قصيدة أخرى مطولة اسمها «الميمية»، نظراً إلى أن أبياتها تنتهى بحرف الميم، التى اشتهرت بقصيدة «الخمر»، الذى لا يعنى به الشراب الذى يذهب العقل ويورد الخبل والغياب، إنما عنى به السكر الناجم عن العشق الإلهى، الذى يعد أحد المواجيد الأساسية للتصوف والمتصوفة، والذى يلقى صاحبه غافلاً عن الدنيا، منتبهاً فحسب إلى كل ما يصل الإنسان بربه.
وهاتان القصيدتان دارت أبياتهما على مئات الملايين من متذوقى الشعر الرهيف، بعد ما لاقت ذيوعاً فى شتى أرجاء بلاد المسلمين، بل امتد صيتهما إلى العالم بأسره بعد ترجمتهما إلى اللغتين الإنكليزية والفرنسية.
وعلى رغم صعوبة أشعار ابن الفارض وغموضها، فإن بعض البسطاء، خصوصاً فى مصر المعاصرة، حفظوها عن ظهر قلب، ووعوا معانيها ومراميها، بفضل منشدى الطرق الصوفية، الذين يروق لهم أن يصدحوا بها فى حضرات الذكر وموالد الأولياء. وبرز فى هذا المسار المنشد المصرى المعروف ياسين التهامى، الذى جاب القرى والمدن، يتغنى بالتائية والميمية وغيرهما، فمنحه شعر ابن الفارض عمقاً، ومنح هو الشعر ذيوعاً وتدفقاً، حين خالطه باللحن الصوفى، الذى يأكل الروح.
وُلد أبو حفص أو أبو القاسم عمر بن أبى الحسن على بن المرشد بن على، المعروف بـ«ابن الفارض»، فى مصر عام ١١٨١م، لأب جاء إلى أرض الكنانة من بلاد الشام، وقيل إن كنيته (ابن الفارض) مستمدة من طبيعة حرفة والده، الذى كان يثبت الفروض للنساء على الرجال فسمِّى «فارضاً»، وقد عُرض عليه منصب قاضى القضاة فامتنع واعتزل الناس زاهداً ومتعبداً.
فى كنف مثل هذا الأب الورع، وفى رعاية علمية وحياة طيبة نشأ عمر وأخذ جلّ علومه، وكان منذ صغره يستأذن والده لينقطع للعبادة فى بعض المساجد، وبعض مغارات جبل المقطم. وظل على حاله هذه إلى أن نصحه أحد المتعبدين بالسفر إلى مكة، فخرج إليها وأكثر من الانعزال فى واد بعيد عن هذا البلد المبارك، وفى تلك الأيام نظم معظم شعره، والأفضل منه. واستمر فى الديار المقدسة خمسة عشر عامًا تقريباً عاد بعدها إلى القاهرة، وأقام بقاعة الخطابة فى الأزهر. ولورعه وفصاحة بيانه كثر المتبركون به. وكان العلماء والحكام يجالسونه، حتى إن الملك الكامل طلب زيارته وقصده.
وبعض من أتيح له معاشرة إبن الفارض أو رؤيته، وصف هيئته قائلاً إنه كان معتدل القامة، جميل المحيا، مشرئباً بحمرة وكان حسن الهيئة، مهتمًا بهندامه، وكان حسن الصحبة والعشرة، فصيح العبارة، كثير الخير، كما يقول عنه المؤرخ الكبير ابن خلكان. وكان ابن الفارض يحب مشاهدة البحر، خصوصاً وقت المساء.
وفتح «عمر» عينيه على القاهرة العامرة بالحكايا، ونيلها المنساب فى وقار جليل، فأحبها، وعشق ترابها، وأنشد فيها قائلاً:
«وطنى مصر وفيها وطرى
ولنفسى مشتهاها مشتهاها»
لكن هذا الحب لم يشفع له، حين استغلقت رؤيته على العامة، فأثاروا حوله الجدل، وانقسم بشأنه الناس، بين من لم يرق لهم شعره ، وقالوا إنه واحد من الذين أخذهم التصوف إلى خارج حدود الشرع، وأوقعهم فى ظلمة التجديف.
ولهذا وجّه أعداء ابن الفارض إليه تهماً عدة فى مطلعها «القول بالحلول والاتحاد»، لكن المستشرق الشهير ماسينيون، المختص بدراسة التصوف الإسلامى، يفرق بين فكرة «الاتحاد» مع الذات الإلهية، وبين ما قاله ابن الفارض، إذ إن حديث الأول يدور حول مسائل فلسفية مجردة، أما الثانى فأخذت هذه المسألة لديه بعداً نفسياً، وتوسلت بالشعر.
إلا أن ابن الفارض، وعلى النقيض من الحلاج والسهروردى، لم يجد كارهوه ومنتقدوه إليه سبيلاً، لأنه كان يحظى بحماية السلطان قايتباى، الذى أحبه، وقربه منه، وجعل ساعده يشتد فى مواجهة من ناصبوا شعره ورأيه وشخصه العداء.
ولم يعمر ابن الفارض، الذى يعد الشاعر الصوفى الثانى بعد جلال الدين الرومى، إذ وافته المنية عام ١٢٣٥م، وهو لم يتجاوز الرابعة والخمسين من عمره.
