بقلم هاجر عيد
أتساءل كثيرا:
كيف يمكن للأماكن أن تشبهنا لهذا الحد؟
كيف يمكن لشرخ قديم أن يشعرنا بالألفة، أن تنتفض عروقنا؛ ثم تسكن، وكأن ضمة *أم* مستهم؟
بل كيف يمكن لشارع قديم أن يُحيينا، أيعقل لأن الحياة غادرت كلانا؟
لا أعلم ولا يهم، الجدير بالذكر أني وجدت ضالتي بغير مبتغي.
أتعجب كيف لعمري بالسنوات _وإن طال_ أن ينتمي لحارة عمرها بالقرون!
أرتجف من فكرة أني قد أكون أمتدادًا لأحدهم أو شيئا ما. . .
شيئا استنزفته الحياة، شربت روحه، أهلكته؛ فهرب منها ضعيفا مهمش ولكنها لم تستكف منه فولدت أنا!
الرحمة!
أتعجب من الألفة التي تنتابني في عمارة من العصر الأموي، أصعد السلم، أتساءل:
تراني الزائر الكم لها؟
أظنها لم تعد تحصى؛ مثلي أنا.
أراها أشلاء عجوز، فلا أهرع.
أتلمس شروخها بتأنٍ..
أصعد بوتيرة جدول ماء صغير يتدفق من وسط غابة..
أشتم بهدوء..
أقاوم رغبة خلع حذائي لأصعد حافية..كما روحي.
كلي يشعر بالألفة، فيتجرد مني اثنان.
يهمهم الأول منهم:
إن كنت امتدادا فلا أجزع، فمن الواضح أن أسلافي صمدو كثيرا، بل كثيرا جدا.
لا تهم النتيجة ماداموا صمدوا
فيعقب الأخر:
ما دام الحزن استنقذهم حتى هلكوا
فأبتسم أنا من فرط حيرتي:
أصمدو أم هلكوا؟
لا يهم ففي كلا الأحوال ضاع عمرهم يقاومون وأنا امتدادهم!
وهنا تنسل دمعة مني كخيط من ثوب حرير.
وَلَكِنَّ عزائي أن الكل راحل.
كلنا سنرحل.
بل وإني عرفت أسلافي. . إن ضاقت بيا الدنيا بمقدوري أن أسير إلى هنا.
أتخيل صوت فيروز يُذاع من مذياع قديم، ومحل قهوة كل روادها يرتدون البدل ويعتمرون العمائم، فأبتاع واحده، وارتشف رشفة، ثم أقف لأتأمل المطر مستظلة بالشرفة، ولا أقاوم خيالي الذي نسج مارة وأخذ يراقبهم!
يراقبهم يهرولون بطرابيش حمراء ويحتمون بجرائد الصباح.
أدركت أخيرا سبب انتمائي لكل الأماكن القديمة، كل ما بي يدرك أني ولدت للمقاومة. .
إلا أنا!
يا لسذاجتي.
