بقلم فضيلة الدكتور/ ابوالمجد احمد ابوالوفا الشرقاوى.
من علماء الازهر الشريف.
بلغ الإسلام بالعقل أقصى غاية يمكن أن يصل إليها،رفع عنه الوصاية،وحرره من أصفاد التقليد،وجعله مطية للوصول إلى حقائق الكون،وشن حملة شعواء على الاتباع الأعمى،وحث على السير وراء الدليل،وتكررت فى كتابه بعض مشتقات مواد العقل والعلم والفكر مرارا عديدة.
وإن هذه الآصرة لتبدو غريبة عند الكثيرين ممن رسخ عندهم أن الدين شىء والعقل شىء آخر،وأنهما من الصعب أو ربما من المستحيل أن يتآخيا،أو يجتمعا فى قراب واحد.
ولكن الإسلام جاء بما يخالف هذا كله،وتلاقى فيه العقل والدين وتكاملا على أرفع صورة يمكن أن تكون،وهو السر الأول فى رأينا فى خلود هذا الدين.
أما رفع الوصاية عن العقل فى الإسلام فكان أول وأهم مظاهره هو أن معجزة الإسلام لم تكن خارقة حسية،ولا حادثة مادية،وإنما كانت معجزة عقلية وهو كتابه:القرآن الكريم،فالقرآن وحده فقط هو معجزة الدعوة أو معجزة الرسالة،أما الخوارق المادية الأخرى فهى-إن صح بها الخبر-أمور من باب التكريم له صلى الله عليه وسلم،لا علاقة لها بالدعوة ولا بالرسالة،والشاهد على ذلك أن أكثرها وقع أمام المسلمين لا أمام المشركين كحنين الجذع،ونبع الماء من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام.
وقد حسم القرآن ذلك فى آيتى سورة العنكبوت حيث قال جل شأنه {وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه } أى معجزات وخوارق حسية كما هو شأن الأنبياء السابقين{قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين&أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن فى ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون}
وأما تحريره من أصفاد التقليد،وشن الحرب على على الاتباع الأعمى فآيات القرآن فى هذا أوضح من أن تذكر،منها مثلا قوله تعالى{وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير} و{وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون}
وأما اتخاذ العقل وسيلة للوصول إلى حقائق الكون فمنه قوله تعالى{وفى الأرض آيات للموقنين&وفى أنفسكم أفلا تبصرون} والإبصار هنا معناه التعقل والتدبر،و{إن فى خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب&الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون فى خلق السماوات والأرض}
والآيات فى هذا الصدد واضحة معلومة.
وأما حثه على السير وراء الدليل فمنه قوله سبحانه {قل هاتوا برهانكم} {إنْ عندكم من سلطان بهذا} أى حجة وبينة {قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} } {إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا}
هذا هو القرآن الكريم كتاب الإسلام،وهذا هو موقفه من العقل،وما هو إلا نزر يسير مما فى هذا الكتاب حول هذا الجانب.
ولكن الأمور لم تسر عبر تاريخ الإسلام فى هذا المسار الذى وضعه القرآن الكريم،فلقد دخل العقل المسلم فى محنتين،ووقع تحت وصايتين:وصاية التقليد،ووصاية الرواية.
وأعنى بالتقليد هنا ما يشمل التقليد فى المذاهب الاعتقادية،والتقليد فى المذاهب الفقهية.
وضاق المجال شيئا فشيئا على هذا العقل المسلم الذى أراد القرآن أن يطلقه من عقاله،وكلما أوغلنا فى الزمن ازداد التعصب للتقليد،واشتد التعصب للرواية،واحتلت بعض المصنفات فى المجال الثانى مكانة وصلت عند أكثر المسلمين إلى مرتبة القداسة،وأصبح المساس بها عندهم مساسا بالإسلام نفسه.
ثم منى الإسلام بالبلية الكبرى أعنى السلفية،فكانت ثالثة الأثافى،وهى اتجاه هدفه حبس المسلمين فى سجن الماضى بذريعة اتباع السلف.
وما السلف عند هؤلاء إلا حفنة من جهلة الحنابلة ومن لف لفهم،من الذاهبين إلى التشبيه والتجسيم والجهة صراحة أو ضمنا،كابن الزاغونى وأبى يعلى الفراء الذى قال فيه ابن الجوزى الفقيه الحافظ الحنبلى المشهور:لقد شان أبو يعلى الحنابلة شينا لا يغسله ماء البحار،والدارمى المجسِّم-وهو غير الدارمى المحدثِّ المعروف صاحب السنن-وابن تيمية وابن القيم وابن أبى العز الحنفى.
ولقد قلنا من قبل:إن السلف كان متنوعا،وإن الصحابة أنفسهم كانوا متفاوتين فى دقة الفهم،واتساع النظر.
فمنهم من كان يقف عند ظواهر النصوص لا يتعداها،ومنهم من كان ينفذ إلى المقاصد،ويتعرف الروح العامة للتشريع،ولا ريب أن إمام هذا المسلك ورائده هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه.
ومن أوضح الأمثلة على هذا التفاوت اختلافهم المشهور فى فهم قوله صلى الله عليه وسلم لهم(لا يصلين أحدكم العصر إلا فى بنى قريظة)فمنهم من لم يتجاوز ظاهر النص فصلى العصر هناك،ومنهم من فهم أن المراد هو التهميم والحث على الإسراع،فصلى العصر بمجرد أن دخل وقته.
فما برح الناس فى أى زمان وفى أى مكان متفاوتين فى الأفهام والمدارك ونفاذ البصيرة،وهذا التفاوت سنة من سنن الله فى الخلق،ولن تجد لسنة الله تبديلا.
ولا يزعم خلاف ذلك،أو أن السلف كان متشابه المشارب والمذاهب إلا جاهل.