تطالع الفراغ في غرفتها، تتحدث إلى نفسها ليلًا كل يوم، ما الذي فعلته لتستحق كل هذا العناء؟أهل جزاء الخير يقابله الشر؟!
الوحدة أقبح الأشياء بعد فقدانك للأشخاص خاصة عندما يأتي وقت النوم حيث الخلوة مع قلبك وعقلك لا يوجد أحد معك يوقف تفكيرك وحنينك للراحلين، تشعر وكأنك أشبه بسمكة وحيدة في حوض سمك زجاجي تحلم كل يوم بوجود شريك يؤنس وحدتها.
كانت غرفة النوم أنيقة يغلبها بعض الفوضى بها مكتب وثير لا تستخدمه كثيرا نظرًا لاحتلال التكنولوچيا الحديثة والكتابة عبر الأجهزة الناقله عن الكتابة بالورقة والقلم.
كان كرسي المكتب يستخدم في وظيفة أخرى غير الجلوس عليه كان يعلوه ملابس وبعض الحقائب جعلت شكل الكرسي مثل الجبل كعادة معظم البنات في وضع الملابس ع الكرسي بعد رجوعهم من الخارج، داخل الحجرة مكتبة صغيرة بها بعض الكتب وسرير أنيق أعتادت على المكوث عليه و القيام بجميع الأنشطة عليه كالقراءة واللعب وكتابة قصصها حتى الأكل .....إلخ
كانت كل الليالي تمر كالمعتاد تقرأ ثم تقرأ إلى أن تغفو حتى تتغلب على وحدتها وحرقة قلبها وحزنها الدائم،كان الجو هادئ يغلب عليه برودة الهواء لا تسمع سوى حركات عقارب الساعة المثيرة للأعصاب والتي تصيب الملل.
ما عدا تلك الليلة!
ظلت تقرأ رواية مترجمة بعنوان "صانع الملائكة" حتى شعرت بالنعاس أغمضت عينيها للحظة، وفجأة سمعت صوتًا غريبًا يأتي من جانب كرسي المكتب خيال يجلس على الكرسي ظنت في بادئ الأمر أنه الملابس الموضوعة عليه، ولكنها تذكرت ترتيبها للغرفة قبل النوم صباحًا!
قامت فزعة من مرقدها ظلت تتحقق في الخيال يبدو كشخص جالس ولكنها كانت تظن أنها تتخيل غطت وجهها بالغطاء لدقائق أزاحت الغطاء عن عينيها فقط فرأت الخيال واقفا .
بدأ قلبها يخفق ودقات قلبها تتسارع مما أدى لصعود وهبوط صدرها من الخوف، مدت يديها لتأتي بالهاتف من جانبها وفتحت كشاف الهاتف ووجهته علي الخيال.
بيّن كشاف الهاتف بأنها سيدة واقفة أمامها شعرت سلمى حينها بالذعر حاولت التحقق من ملامح تلك المرأة محاولة التماسك، وبدأت ترى ملامح أمها على وجه تلك المرأة.
-أمي !!
ولكن لا رد
وجدتها تبتسم فقط
ثم حدثتها مرة آخري
-أمي!!
ابتسمت أمها مرة أخرى.
-ازاي! وأنتِ روحتي عند ربنا!
وفجأة تحول الذعر إلى طمأنينة بمجرد رؤيتها لأمها لم تصدق يومًا أنها ماتت وكان تظن أنها سافرت ويومًا ما ستعود فمنذ أن تركتها وسلمى تواجه صراعات الحياة بأكملها وحدها منذ وفاتها وهي بالثانوية العامة تحولت حينها لبائسة حزينة ووحيدة برغم من براءة وجهها وحبها للحياة وابتسامتها التي لا تفارقها وشكلها الطفولي الذي يُعجب به الجميع .
وفجأة وجدت الخيال أقصد أمها تفتح ذراعيها وهي تبتسم .
-قربي يا سلمى متخافيش
ظلت سلمى واقفة مذهولة من هول الموقف ثم عاد الصوت من جديد!
-تعالي! وحشني حضنك يا بنتي
حينها ركضت سلمي واختبئت داخل حضن أمها وظلت تبكي من شدة اشتياقها لأمها فما أعظم حضن الأم فلا يدركه الأحياء إلا بعد فوات الأوان .
ظلت الأم حاضنة ابنتها وتطمئنها بأنها معها وتتحسس شعرها الطويل ،ثم توقفت سلمي عن البكاء وخرجت من حضن أمها
-بس ازاي؟ أنتِ كنتِ مسافرة صح زي ما كنت فاكره؟
ثم استطردت بحزن وهى تنظر لأمها والدموع تترقرق من عينيها:
-أنتِ وعدتيني هتفضلي معايا للأبد.
اقتربت الأم من ابنتها وقامت باحتضانها، ثم قبلت جبينها.
-أنا معاكِ يا سلمى طول الوقت ويسمع دعائم ليا كل يوم!
-ازاي رجعتِ الدنيا تاني؟
-احنا في حلم يا سلمى!
-يعنس هتمشي تأتي وتسبيني، بقالي عشر سنين وأنا بعاني من غيرك، كل حاجة اتغيرت يا ماما، محدش في العالم ده كله بيحبني!
ربتت الأم على كتف ابنتها، وابتسمت.
-عشان كده قررت اجيلك النهاردة في المنام، عشان أعرفك إني عمر ما غبت عنك يوم، عارفة إني كنت شايلة عنك كل متاعب الدنيا، بس إرادة ربنا إني أروحله الوقت ده، خليكِ عارفة إني فخورة بيكِ لنجاحك وصبرك وتحملك أذى المقربين، مش مطلوب منك غير الصبر عشان ربنا يراضيكي، وأعرفي أن المظلوم ربنا هيردله حقه ولو بعد حين، أعملي الخير دايمًا، ومتهميش بآراء المحيطين.
شعرت سلمى بسعادة بالغة وطمأنينة لم تشعر بها منذ وفاة والدتها ،حينها سمعت صوت منبه الهاتف يدق ليعلن موعد استيقاظها من النوم لذهابها لعملها، ولأول مرة تستيقظ من فترة تشعر بالراحة والأمان.
فتحت عينيها ونظرت إلى كرسي المكتب و وجدت الكرسي موضوع في غير مكانه فابتسمت أنه لم يكن حلمًا!!
